Skip to main content

نساء البحر في آسفي... الحرب على إيران تعمق أزمة العاملات في قطاع الصيد



لم تكن نساء البحر بمدينة آسفي يتوقعن أن تصل تداعيات حرب تدور على بعد آلاف الكيلومترات إلى موائدهن الصغيرة وأحيائهن الساحلية الهشة. لكن مع تصاعد الحرب على إيران وارتفاع أسعار النفط عالميا، بدأت الأزمة تزحف تدريجيا نحو قطاع الصيد البحري، لتصيب في مقدمة المتضررين النساء العاملات في المهن المرتبطة بالبحر.

 

في الميناء وعلى طول الأحياء الشعبية القريبة من الساحل، تبدو آثار الأزمة واضحة. قوارب صيد أقل تخرج إلى البحر، معامل تصبير تقلّص نشاطها، ونساء ينتظرن ساعات طويلة فرصة عمل قد لا تأتي.

 

تقول فاطمة، وهي عاملة موسمية في تنظيف الأسماك: "في السابق كنا نشتغل أغلب أيام الأسبوع، أما الآن فأحيانا تمر أيام كاملة دون عمل لأن القوارب لا تخرج كما كان من قبل." 

 

الحرب رفعت الوقود... والصيد تراجع

 

  منذ تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب على إيران، شهدت أسعار الوقود ارتفاعا عالميا، وهو ما انعكس مباشرة على قطاع الصيد التقليدي الذي يعتمد بشكل أساسي على المحروقات لتحريك المراكب الصغيرة.


وبالنسبة للصيادين التقليديين في آسفي، أصبحت كلفة الخروج إلى البحر مرتفعة بشكل غير مسبوق، ما دفع العديد منهم إلى تقليص عدد الرحلات أو التوقف المؤقت عن العمل.  


ويؤكد حليم حاميد، الخبير في قضايا وشؤون الصيد البحري، أن تداعيات الحرب أثرت بشكل مباشر على دورة الاقتصاد البحري المحلي، خاصة في المدن الساحلية التي تعتمد على الصيد التقليدي والصناعات المرتبطة به.  


وقال في تصريح  للجريدة إن "الحرب على إيران رفعت أسعار الوقود عالميًا، وهذا انعكس مباشرة على مراكب الصيد التقليدي. البحار الذي كان يخرج بشكل يومي أصبح اليوم يحسب تكلفة الوقود قبل أي رحلة، وفي كثير من الأحيان تكون المصاريف أكبر من المردودية." 


وأضاف حايد أن بعض المراكب أصبحت تقلص عدد أيام الإبحار، فيما فضّل آخرون التوقف المؤقت عن العمل لأن تكلفة المحروقات ارتفعت بشكل كبير،هذا التراجع لا يضرب البحارة فقط، بل يضرب سلسلة اقتصادية كاملة مرتبطة بالبحر." 

  

وأوضح الخبير ذاته أن النساء العاملات في القطاع هن الأكثر تضررا من هذه الوضعية، بحكم ارتباط دخلهن المباشر باستمرار نشاط الصيد، قائلا: "حين تتراجع رحلات الصيد تقل كميات السمك التي تصل إلى الميناء والمعامل، وبالتالي تتراجع فرص الشغل بالنسبة للنساء اللواتي يشتغلن في تنظيف الأسماك والتصبير وبيع المنتوج البحري."

 

وتابع المتحدث ذاته النساء العاملات في هذا القطاع يشتغلن غالبا في ظروف هشة، دون عقود عمل أو حماية اجتماعية. لذلك فإن أي أزمة في الصيد تتحول بسرعة إلى أزمة اجتماعية داخل الأسر، لأن عددا كبيرا من النساء يعشن من مدخول يومي بسيط مرتبط مباشرة بعودة القوارب."

 

  وأشار حاميد إلى أن استمرار ارتفاع الوقود قد يهدد مستقبل عدد من الأنشطة البحرية التقليدية، خاصة في ظل غياب دعم حقيقي للفئات الهشة داخل القطاع.

 

السردين يتراجع.. والمعامل تختنق

 

 الأزمة الحالية جاءت أيضا في سياق تراجع كبير في مخزون السردين خلال السنوات الأخيرة، نتيجة التغيرات المناخية وارتفاع حرارة مياه البحر.

 

وبحسب معطيات مهنية، انخفضت كميات السردين المصطادة من حوالي 965 ألف طن سنة 2022 إلى نحو 525 ألف طن خلال سنة 2024، ما تسبب في تقليص نشاط معامل التصبير التي تشغل نسبة كبيرة من النساء بمدينة آسفي.

 

وتتحدث خديجة، التي تعمل منذ سنوات داخل وحدة لتصبير السمك، عن تراجع واضح في عدد أيام العمل "المعامل لم تعد تشتغل بنفس الوتيرة السابقة، أحيانا نتوقف لأيام بسبب قلة السردين."

 

 هذا التراجع في المادة الأولية دفع بعض الوحدات إلى تقليص ساعات العمل أو الإغلاق المؤقت، ما تسبب في فقدان عدد من النساء لمصدر دخلهن الوحيد.

 

 المناخ يزيد هشاشة النساء

 

  وترى أميمة خليل الفن، الخبيرة في قضايا المناخ، أن الأزمة الحالية تكشف بشكل واضح كيف أصبحت التغيرات المناخية تضرب الفئات الاجتماعية الهشة، خصوصًا النساء العاملات في القطاعات المرتبطة بالموارد الطبيعية.

 

وأضافت خليل الفن في تصريح للجريدة أن التغيرات المناخية لم تعد قضية بيئية فقط، بل أصبحت أزمة اقتصادية واجتماعية تمس الأمن الغذائي وفرص الشغل والاستقرار الاجتماعي، خاصة داخل المدن الساحلية.

 

وأضافت الخبيرة ذاتها أن ارتفاع حرارة مياه المحيط والتغيرات التي تعرفها التيارات البحرية أثّرا بشكل مباشر على التوازن البيولوجي للأسماك، خاصة السردين الذي يعتبر من الأنواع الحساسة للتغيرات الحرارية.

 

ولفتت المتحدثة نسفها إلى أن السردين يحتاج إلى ظروف بحرية معينة، وعندما ترتفع حرارة المياه تتغير أماكن تواجده وتكاثره، وهذا ما يفسر جزءًا من التراجع الذي نراه اليوم في الكميات المصطادة.

 

ومن جهة أخرى أوضحت أن انعكاسات الأزمة المناخية تصبح أكثر خطورة عندما تتقاطع مع أزمات اقتصادية دولية مثل الحرب على إيران وارتفاع أسعار الطاقة.

  

وتابعت خليل الفن "اليوم نحن أمام أزمة مركبة، تغير مناخي يقلص الموارد البحرية، وأزمة طاقة ترفع تكلفة الصيد، وفي النهاية تكون النساء العاملات في الاقتصاد البحري غير المهيكل أول من يدفع الثمن."

 

 وأضافت خبيرة المناخ أن النساء في المناطق الساحلية يعشن هشاشة مضاعفة، لأنهن يعتمدن على دخل يومي غير مستقر، وفي أغلب الحالات لا يستفدن من أي تغطية اجتماعية أو حماية مهنية. لذلك فإن أي اضطراب في البحر أو في سوق الطاقة يتحول مباشرة إلى أزمة معيشية داخل الأسر.

 

  وأكدت خليل الفن أن الوضع الحالي يبرز الحاجة إلى سياسات تراعي البعد الاجتماعي والمناخي معا، عبر دعم النساء العاملات في القطاع البحري وإدماجهن ضمن برامج الحماية الاجتماعية والتكيف مع التغيرات المناخية.

 

  نساء يدفعن ثمن أزمات لا يصنعنها

   

في آسفي، لم تعد الأزمة مجرد أرقام مرتبطة بالصيد أو أسعار الوقود، بل تحولت إلى واقع يومي تعيشه النساء داخل البيوت والأسواق والمعامل.

 

  نساء كثيرات أصبحن عاجزات عن تأمين مصاريف الأسرة أو متابعة الدراسة لأبنائهن، فيما دفعت الأزمة أخريات إلى الاستدانة أو البحث عن أعمال موسمية بديلة بأجور هزيلة.

 

  وبين حرب رفعت أسعار الوقود، ومناخ يغير البحر، تجد نساء آسفي أنفسهن في مواجهة مباشرة مع أزمة معيشية متفاقمة، يدفعن ثمنها رغم أنهن لم يكن يومًا طرفًا في صناعة أسبابها.

 

 فاطمة ياسين 

إعلامية باحثة في قضايا البيئة والتنمية المستدامة