حين تنشغل الشاشات بالحروب والكوارث…من يعيد بناء الوعي البيئي للطفل ويرمم صورة الأرض؟
لم تعُد قصص الأبطال الخارقين ولا ألعاب السيارات الملونة تثير فضول عبد الرحمن، الطفل البالغ من العمر تسع سنوات. فمنذ مدة لاحظت والدته تغيرًا غريبا في سلوكه، أصبح يميل الى الصمت، يحدق طويلا في شاشة الهاتف والتلفاز، ولم يعد يبحث عن مشاهدة الرسوم المتحركة كما اعتاد.
تراقب الام طفلها الصغير فترى وجهه الشاحب تحت ضوء الشاشة المنبعث، وعينيه المتسعتين تلاحقان بذهول تدفقا لا ينتهي من الصور. لم يعد عبد الرحمن يشاهد برامج الأطفال، بل يغرق في “الأخبار العاجلة”: دخان يتصاعد من مدن وحدائق محطمة، ركام يسد الأفق، واصوات انفجارات لا تتوقف.
تسأله والدته بقلق: بماذا تفكر؟
فيجيب بسؤال يفيض بالخوف: ” ماما… هل ستبقى هناك أشجار وحدائق بعد انتهاء كل هذه الكوارث والحروب؟ وهل سيأتي الدور علينا؟ ولماذا لا توجد أزهار في هذه الفيديوهات؟
في مخيلة عبد الرحمن، لم تعد الأرض غابة خضراء كما يراها في الكتب المدرسية، بل تحولت الى ساحة معركة كبرى. ويعكس هذا التصور أزمة أعمق يواجهها جيل كامل، ففي الوقت الذي تضخ في الشاشات صور الدمار والحرائق والكوارث في وعي الأطفال، تتراجع لديهم صور الطبيعة والحياة أمام مشاهد الرماد والخوف، لقد بات الطفل يرى في ” الأرض” مكانا هشا ينتظر الاحتراق، لا كإرث غنيا يستحق الحماية.
اليوم، تحتل اخبار الحروب والكوارث الطبيعية المساحة التي كان من المفترض أن تشغلها التربية البيئية والتوعية الإعلامية. وهنا، لا يكمن الخطر فقط فيما يشاهد الطفل، بل في الطريقة التي يعيد بها هذا المحتوى تشكيل وعيه بالعالم. فهل يمكن للتربية الإعلامية والبيئية ان تعيد ترميم ما افسدته الشاشات؟
ليست قصة عبد الرحمن سوى واجهة لواقع أعم، فمع التحول الرقمي المتسارع، أصبح ملايين الأطفال حول العالم يقضون جزءا كبيرا من يومهم خلف الشاشات، في بيئة رقمية مفتوحة، تختلط فيها المعرفة بالعنف، والترفيه بالخوف، والصور التعليمية بمشاهد الكوارث والحروب.
ومن هذ المنطلق، دقت هيئات علمية ودولية ناقوس الخطر بشأن التأثيرات النفسية والمعرفية للتعرض المبكر والمفرط للشاشات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمحتوى المثير للقلق او العنيف. وفي هذا الصدد، تشدد توصيات منظمة الصحة العالمية (WHO) على ضرورة الحد من وقت الشاشة لدى الأطفال الصغار، بينما تحذر دراسات منشورة في قواعد بيانات علمية في Pubmed والمعهد الوطني للصحة الأمريكية (NIH) من وجود ارتباط وثيق بين الاستخدام المفرط واضطرابات النوم، وتشتت الانتباه، والقلق، وصولا الى اعاقة النمو العاطفي والاجتماعي السوي للأطفال.
أثار نفسية عميقة لمشاهد العنف الرقمي
ترى المختصة النفسانية السيدة ״أمال صبري״ أن تعرض الأطفال المتكرر للشاشات، خاصة المحتوى المرتبط بالحروب والكوارث، قد يترك أثار نفسية واضحة تختلف حدتها حسب البيئة الاسرية وعمر الطفل، وتوضح أن هذا النوع من المحتوى يمكن ان يولد الطفل مشاعر (القلق، الخوف) ويؤثر على قدرته على التركيز والانتباه، إضافة الى ظهور اضطرابات عديدة ومن بينها فقدان الشهية، وقد يزرع داخله خوفا دائما من المستقبل او من فكرة الفقد والموت.
وتشير المختصة الى ان بعض الأطفال قد يظهرون نوع من التعلق المفرط بالوالدين، خاصة بالأم، كوسيلة للشعور بالأمان في ظل ما يشاهدونه يوميا عبر الشاشات. كما تؤكد في حديثها ان تكرار التعرض لمشاهد الحروب والكوارث والعنف قد يؤدي الى تغيرات سلوكية، فإما ان تصبح هذه الصور ” اعتيادية” بالنسبة للطفل او تدفعه نحو سلوك أكثر عدوانية وعنفًا، خصوصا إذا كان يعيش في بيئة اسرية متوترة، كما تشدد الاخصائية على ضرورة مراقبة المحتوى الذي يشاهده الأطفال وتنظيم الوقت المخصص للشاشات، مع توجيههم نحو أنشطة حركية في الهواء الطلق والاهتمام بالطبيعة ليس مجرد ترفيه، بل أداة ضرورة لإعادة توازنهم النفسي والاجتماعي، لبناء شخصية واعية تدرك قيمة محيطها الحيوي بعيدا عن صخب واضطرابات العالم الافتراضي.
وتوضح دراسة أظهرت مراجعة علمية شملت 46 دراسة على الأطفال والمراهقين، منشورة عبر قواعد بيانات “Child Development” ان ارتفاع وقت الشاشة يرتبط بضعف الانتباه ومشكلات النوم، وصعوبة في التطور الاجتماعي والعاطفي، كما تظهر أبحاث طويلة المدى المنشورة في JAMA Pediatrics الى ان الأطفال الذين يتعرضون للشاشات في سن مبكرة بشكل كبير، يحققون نتائج أضعف في مجالات اللغة والتواصل والمهارات المعرفية مقارنة بأقرانهم.
الانتباه المفقود داخل الفضاء المدرسي
لا تتوقف انعكاسات التعرض المفرط للشاشات عند حدود القلق والخوف فقط، وانما تمتد الى مجال التربوي والتعليمي، حيث بدأت المدارس والاخصائيون يلاحظون تغيرات في قدرة الأطفال على التركيز والتفاعل داخل الأقسام، الى جانب تراجع الاهتمام بالنشاطات الاجتماعية والتعليمية.
وفي هذا السياق، تؤكد من جهتها المختصة في علم النفس التربوي السيدة ״فتيحة مركون״، أن التأثيرات لم تعد تقتصر على الجانب النفسي فقط، بل أصبحت تنعكس بشكل واضح داخل البيئة المدرسية، وهناك العديد من الأطفال باتو يواجهون صعوبات في التركيز الى جانب تراجع التفاعل في الأنشطة التعليمية، لان التعرض المتكرر للصور وذلك المحتوى قد يدفع الأطفال الى الانغلاق والانسحاب، بينما يُظهر اخرون سلوكا اكثر اندفاعا، وهو ما يؤثر على علاقتهم بمحيطهم المدرسي خاصة في ظل عجز الطفل عن فهم او تفسير ما يشاهده عبر الشاشات بشكل متوازن. دعت المختصة الاسرة والمدرسة بتوفير بدائل تساعد الطفل على استعادة توازنه النفسي والاجتماعي، من خلال تشجعيه على الأنشطة البيئية، باعتبارها فضاء يساعد الطفل على تعزيز الشعور بالأمان.
وفي الاتجاه نفسه، تشير دراسة واسعة شملت أكثر من 292 ألف طفل، صادرة عن “الجمعية الامريكية لعلم النفس American Psychological Association”، الى وجود علاقة بين الاستخدام المفرط للشاشات وظهور مشكلات سلوكية وانخفاض تقدير الذات لدى الطفل ما يؤدي من القلق حول تأثير البيئة الرقمية على النمو العصبي والسلوكي.
لا يتوقف رصد الظواهر النفسية بل يمتد الى قلب الأقسام التربوية، وفي هذا الصدد، تضيف ״سمية بوجادي״، أستاذة في الطور الابتدائي، من واقع خبرتها الميدانية في وجود تأثر واضح لدى الأطفال بما يشاهدونه من مقاطع إعلامية مرتبطة بالحروب والدمار وهذا ما لاحظته الأستاذة في حرب ” غزة” وهو ما يتجلى في اسئلتهم المتكررة داخل القسم بمشاعر الخوف والقلق والتعاطف التي يبدونها، وحتى في إعادة تمثيل تلك المشاهد اثناء اللعب.
وتأكد الأستاذة بوجادي ان الدور الفعال للأستاذ هو توفير الاحتواء النفسي هو ما يحول دون انعكاس هذا التأثر بشكل سلبي حاد على التركيز في القسم، وتركز في حديثها عن أهمية التربية البيئية التي أصبحت ضرورة لتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي، معتبرة ان الأنشطة البيئية كالنوادي هي الملاذ الآمن الذي يفرغ الطفل طاقته ويستعيد توازنه بعيدا عن ضجيج الصور الصادمة.
التربية الإعلامية أداة لبناء الوعي البيئي
في ظل التحولات التي فرضها المحتوى الرقمي اليوم على وعي الأطفال، لم تعد التربية الإعلامية مجرد مهارة لفهم الرسائل الإعلامية، وانما أصبحت مدخل أساسي لبناء وعي بيئي مسؤول يربط بين ما يشاهده الطفل على الشاشة وبين تأثيره على العالم من حوله.
يرى خبير التربية الإعلامية، الدكتور ״محمد اغولايش״، أستاذ محاضر في علوم الاعلام والاتصال وصحفي مستقل، ان دور هذا المجال لم يعد يقتصر على تعليم الطفل كيفية تحليل المحتوى، بل أصبح أداة أساسية لبناء سلوك بيئي إيجابي وتعزيز الوعي البيئي منذ سن مبكر، ويؤكد الخبير ان الصورة لم تعد مجرد وسيلة لنقل الخبر، وانما أصبحت صناعة بصرية قادرة على التأثير العميق في وعي الطفل خاصة عند تعرضه المتكرر لمشاهد الحروب والكوارث والدمار.
الهدف ليس منع الطفل من مشاهدة الواقع، بل تعليمه كيف يفهمه ويحوله الى وعي إيجابي يحمي الانسان والبيئة معا
ويلفت الخبير الى ان التربية الإعلامية الحديثة يجب ان تتجاوز التلقي السلبي نحو ” انتاج الوعي”، من خلال تدريب الطفل على الصور السلبية الى دافع للتفكير في البيئة والمستقبل، وربط مشاهد الحروب والكوارث بتأثيراتها على الأرض والموارد الطبيعية وليس فقط على الانسان.
كما يحذر الدكتور اغولايش من ظاهرة ” التطبيع البصري” الناتج عن التكرار المستمر لصور الدمار، ويدعو في المقابل الى ما يسميه ” التربية البصرية الواعية «، التي تساعد الطفل على التمييز بين الصورة كخبر والصورة كأثر انساني وبيئي.
ويرجع الخبير الى ان غياب البعد البيئي في تغطية الحروب والأزمات الى ” ثغرة ” في الاعلام الموجه للأطفال، حيث يتم التركيز على الحدث السياسي بينما يتم تجاهل أثره على الطبيعة، لذلك يقترح ادماج “البعد البيئي” داخل السرد الإعلامي، “حتى يدرك الطفل ان تدمير البيئة جزء من كلفة الحرب وليس مجرد خلفية لها”.
ان الاعلام الحربي حسب اغولايش يركز على ” نحن وهم” واما التربية الإعلامية البيئية فتكسر هذا القالب لترسخ مفهوم ” وحدة المصير الايكولوجي”، لذلك ” نقترح كمتخصصين تفكيك الرسائل الإعلامية التي تهمس البيئة، واستبدالها بقصص تربط بين ” سلامة البيئة” و ” امان الطفل”. عندما يدرك الطفل عبر التحليل الإعلامي ان الرصاصة التي تقتل طيرا تسمم مستقبله هو، سيتحول سلوكه تلقائيا نحو حماية كل ما هو حي فنحن نزرع في ذهنه ان الكلمة الملوثة لا تقل خطرا على المادة الملوثة.
وفي الجانب العملي، دعا الخبير الى تزويد الأطفال بأدوات بسيطة للتعامل مع المحتوى الرقمي، مثل “العدسة البيئية” التي تساعدهم على طرح أسئلة حول ما يشاهدونه: من تضرر؟ ماذا حدث للطبيعة؟ وكيف يمكن إعادة البناء؟ إضافة الى تشجيعهم على البحث عن حلول بدل الاكتفاء بمشاهدة الازمات.
ففي تغطية الحروب تبرز الدراما البشرية وتختفي المشكلات والكوارث الايكولوجية والبيئية، وهكذا دورنا هو تدريب عين الطفل على رؤية الضحية الثالثة بعد القتلى والجرحى، وهي تلك الأرض والمحيطات والغابات والانهار والاقاليم الجوية الواسعة بما تحمله من حياة.
إذا كانت التربية الإعلامية تسعى الى بناء وعي الطفل بما يراه على الشاشة، فان الوعي ينعكس بشك مباشر داخل الفضاء المدرسي، لان الاستخدام المفرط للمحتوى الرقمي يتحول الى سلوكي يومي يمكن ملاحظته داخل الأقسام وعلى مستوى التحصيل المدرسي.
وفي إطار البحث عن بدائل تعزيز الصحة النفسية والارتباط البيئي لدى الأطفال، يدعو المختصين الى ضرورة فك الارتباط بالجدران الاسمنتية للأقسام، ونقل الحصص التربوية الى أحضان الفضاءات الغابية كأداة للتعافي والتعلم.
إخراج “الحصة التربوية” من جدران القسم لتعزيز التعليم الأخضر
تلفت رئيسة الجمعية الوطنية للصحة المدرسية، الدكتورة ״نبيلة بسام״ الى ان التحولات، التي تم تسجيلها داخل الوسط المدرسي، والذي بدأت الأقسام تشهد تراجعا في القدرة على التركيز وضعفا في التفاعل التربوي لدى التلاميذ، وهو ما يستدعي – حسبها تفعيل خلايا الاصغاء المتابعة وتعزيز المرافقة النفسية داخل المؤسسات التعليمية، لهذا تعمل الجمعية بالتنسيق مع قطاع التربية الوطنية، من أستاذة ومستشارين ومدراء، على اطلاق ورشات ” فك الشفرة، التي تهدف الى تدريب الأطفال على التمييز بين الخبر الحقيقي والمزيف، وكيفية استهلاك المحتوى البصري بشكل واعي وامن، الى جانب برامج دعم نفسي استباقي تساعد على رصد علامات الضيق النفسي لدى الطفل.
ومن جهة أخرى، تربط الدكتورة بسام بين الصحة النفسية والبيئة المدرسية، معتبرة ان المساحات الخضراء داخل المدارس تساهم في تقليل مستويات التوتر، بينما يساهم غرس الشتلات والعناية بالحدائق المدرسية في تعزيز الإحساس بالمسؤولية وبناء قيم “البناء” في مواجهة صور ” “الهدم” التي يراها الطفل في العالم الرقمي.
كما اشارت الى أهمية المبادرات الميدانية خارج القسم خاصة القوافل البيئية، التي تعتبرها فضاء عمليا لبناء شخصية الطفل، خاصة وان الجمعية تسعى لتحويل الطفل الى سفير للصحة والبيئة داخل محيطه العائلي مع تنظيم مخيمات تمزج بين الترفيه النفسي والتوعية الصحية، وفي سياق أوسع دعت رئيسة الجمعية الى تعزيز التعاون بين قطاع الاعلام والتربية والصحة، عبر وضع ميثاق أخلاقي اعلامي يحد من عرض المشاهد الصادمة، الى جانب تطوير اعلام تربوي وطني ينتج محتوى موجها للأطفال.
ودعت السيدة بسام الى استخدام أنشطة فنية مستمدة من الطبيعة ” كالطين والأوراق والأغضان والمياه” يندرج ضمن ما يشبه العلاج بالفن البيئي الذي يساعد الأطفال على تفريغ القلق. ولنجعل المدرسة الخضراء نموذجا للمدرسة الصحية نفسيا وبيئيا في الجزائر. كما اننا نعمل على دمج هذه المفاهيم في استراتيجية وطنية متكاملة تجمع بين العلاج بالفن والنشاط الميداني (غرس النباتات) لتحقيق توازن نفسي وحماية بيئية في ان واحد.
“ان حماية الطفل تبدأ من ” فلترة” واعية لما يشاهده بالتوازي مع الاستثمار في أنشطة ميدانية نعيد ربطه بالواقع الإيجابي وبالأرض، لان التربية البيئية لا تختزل في الدروس النظرية، بل تعد أداة علاجية ووقائية تعيد التوازن النفسي للطفل”
وبينما تتسع تدخلات الصحة المدرسية لمواجهة انعكاسات العالم الرقمي داخل المؤسسات التربوية، يبرز سؤال اخر لا يقل أهمية يتعلق بمكان التربية البيئية داخل المدرسة، وهو ما تكشف عنه دراسات وطنية حاولت قياس مستوى هذا الوعي لدى الأطفال.
دراسة وطنية … اين يقف التلاميذ من الوعي البيئي؟
وفي مواجهة هذا التدفق المكثف للمحتوى، تبرز التربية البيئية كأحد المداخل القادرة على اعادة التوازن لوعي الطفل، اذ تشير دراسة بعنوان ” التربية البيئية”، صادرة عن مخبر المسألة التربوية في الجزائر في ظل التحديات الراهنة”، الى ان هذا النوع من التربية لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يهدف أيضا الى بناء وعي سلوك يمكن الافراد من فهم علاقتهم بالبيئة والتفاعل معها بشكل إيجابي، باعتبارها احدى الركائز الأساسية لفهم العلاقة المعقدة بين الانسان ومحيطه الطبيعي والوقاية من المشكلات البيئية قبل وقوعها.
وتُعَرف الدراسة الى ان (التربية البيئية) لا تقتصر على المدرسة فقط، بل تشمل مختلف مؤسسات المجتمع، من الاسرة الى وسائل الاعلام، باعتبارها عملية مستمرة مدى الحياة. وفي السياق الجزائري، تبرز المنظومة التربوية الى ادماج البعد البيئي ضمن المناهج الدراسية وبعض الأنشطة المدرسية، غير ان التحديات لاتزال قائمة خاصة ما يتعلق بنقص التكوين المتخصص.
وفي سياق اخر، تشدد الدراسة على أهمية اعتماد أساليب تعليمية حديثة قائمة على المشاريع التطبيقية وتنمية الخيال، بما يعيد ربط الطفل بمحيطه الطبيعي بعيدا عن أساليب التلقين التقليدي انطلاقا من مبدأ بسيط: التعلم من البيئة، وبالبيئة ومن أجلها.
وحسب هذه المعطيات حول مستوى التربية البيئية داخل الوسط المدرسي، تتجه السياسات الوطنية الى تعزيز المقاربة المؤسساتية المشتركة بين قطاعي البيئة والتربية، بهدف ترسيخ سلوك بيئي مستدام لدى الأجيال.
التربية البيئية بين التخطيط والتطبيق الوطني
وفي سياق الاستجابة الوطنية للتحديات البيئية الراهنة، تبرز وزارة البيئة التي تضع التربية البيئية كركيزة أساسية لبناء لمجتمع مسؤول، تعززت الشراكة المؤسساتية بتوقيع بروتوكول اتفاق بين وزارة التربية الوطنية منذ 2002، والذي تم تحديثه في 2019 لإعطاء نفس جديد للتربية البيئية في الوسط المدرسي.
حسب وزارة البيئة_ يهدف هذا البروتوكول الاستراتيجي الى توجيه الأجيال الصاعدة نحو سلوكيات أكثر احتراما للبيئة وتُرجمت هذه الشراكة ميدانيا من خلال انشاء أكثر من 10000 نادي بيئي موزعة على الاطوار الثلاثة ” الابتدائي، المتوسط” الثانوي”.
هذا الزخم المؤسساتي الذي تترجمه آلاف النوادي البيئية يفتح آفاقا جديدة لسحب الطفل من عزلة الشاشات الصادمة الى فضاءات الفعل الأخضر. وهو ما يؤكده الخبير البيئي “كريم ومان”، إطار في الجماعات المحلية والمدير السابق للوكالة الوطنية للنفايات، معتبرا ان هذه النوادي تمثل المختبر الأول لإعادة صياغة علاقة الطفل بمحيطه.
وفي هذا السياق، أشار ومان الى ان الجزائر اتجهت خلال السنوات الأخيرة الى تعزيز المقاربة التشريعية والتربوية في مجال البيئة، من خلال ادماج التربية البيئية داخل المؤسسات التعليمية واشراك الأطفال في المبادرات الوطنية. هذا المسار الذي تبنته الجزائر يعكس ادراكًا عميقًا بأن الامن البيئي، يسعى لصناعة وعي اجتماعي يبدأ من المدرسة، فجعل الطفل في صلب هذه الاستراتيجية هو استثمار في رأس المال البشري ليتحول التعليم من مجرد تلقين معلومات الى عملية بناء هوية بيئية وطنية.
وفي قراءته حول كيفية بناء وعي بيئي متوازن لدى الأطفال، يرى الخبير ان الخطاب الموجه للأجيال الصاعدة يجب ان يبتعد عن “فلسفة التخويف”، ويرتكز بدل ذلك عل ترسيخ علاقة إيجابية بين الطفل والطبيعة تقوم على الفهم والمسؤولية والأمل. كما يشير ومان الى ان التغطيات الإعلامية للكوارث غالبا ما تكتفي بعرض الصور والدمار دون تفسير أسبابه ما يترك الطفل اما مشاهد صادمة ومفتوحة على الخوف، لذلك دعا الى تطوير ما يسميه بـ ” اعلام الحلول” عبر ربط الاخبار البيئية بقصص الصمود والابتكار والمبادرات التي تعيد ترميم الحياة والطبيعة. فعند تغطية الكوارث البيئية ينبغي ارفاق الصور المؤلمة بشروحات علمية مبسطة توضح الأسباب الكامنة وراء هذه الظواهر، والتمييز بدقة بين ما هو طبيعي وبين ما نتج عن خلل في السلوك البشري، فهذا التفسير هو ما يمنح الطفل والمشاهد العادي شعورًا بالسيطرة المعرفية بدلا من التيه أمام الدمار.
من جهة أخرى، لفت الخبير الى ان الجزائر تواجه تحديات بيئية متزايدة مثل كل دول العالم، أبرزها الجفاف وحرائق الغابات والتلوث وفقدان التنوع البيولوجي، فان نشر صور الكوارث الطبيعية يمكن ان تزرع الخوف والقلق لدى الطفل، لهذا من الضروري تدريس الطفل على التمييز بين ما يصدر من الطبيعة كجزء من دورتها الحيوية العادية، وبين ما يجنيه الانسان على نفسه حين يمس بتوازن الأنظمة البيئية، فهنا تبرز أهمية شرح ان بعض الازمات هي نتيجة لخيارات اجتماعية وسياسية خاطئ، فالحروب مثلا ليست مجرد نزاع بين جيوش، بل هي عدوان مباشر على ( الغابات والمياه والهواء).
وتبرز التجربة اليابانية كنموذج عالمي رائد في هذا السياق، حيث يتم دمج أخبار الكوارث ضمن منظومة تربوية وإعلامية شاملة تُسمى “Bousai” (الاستعداد للكوارث). في اليابان، لا يُقدم الخبر للطفل كفاجعة، بل كاختبار للذكاء الجماعي، حيث يركز الإعلام والمدارس على قصص النجاح في الإخلاء، وذكاء المهندسين في تصميم المباني المرنة، ودور الأطفال أنفسهم في مساعدة مجتمعاتهم. هذا النهج حوّل الكوارث من مصدر للرعب إلى جزء من الهوية الوطنية الواعية، حيث ينشأ الطفل الياباني وهو يدرك أن قوته لا تكمن في منع الزلزال، بل في امتلاك المعرفة والشجاعة لمواجهته والنهوض بعده.
إن الرسالة النهائية التي يجب أن تصل للأجيال القادمة هي أن الأمل ليس مجرد شعور عابر، بل هو فعل يتجسد في كل شجرة تُزرع وكل ابتكار يحمي الحياة. إننا لا نريد جيلاً يرتجف أمام الشاشات، بل جيلاً يمتلك عقلاً ذكياً وقلباً شجاعاً ويداً تبني؛ جيلاً يدرك أن الكارثة ليست نهاية العالم، بل هي نداء لاستعادة التوازن المفقود مع بيئتنا.
الإطار الدولي والحلول التربوية
وفي مقابل هذه المقاربات المحلية التي تراهن على المدرسة والطفل لبناء وعي بيئي جديد، تتجه منظمات دولية على غرار UNESCO، في إطار مبادرة Greening Education Partnership، وهي شراكة عالمية أطلقتها المنظمة بهدف دعم الدول في دمج التعليم البيئي والمناخي داخل الأنظمة التعليمية، وتحويل المدارس إلى فضاءات تعزز الوعي بالاستدامة والسلوك المسؤول تجاه البيئة.
وتسعى هذه المبادرة إلى إعادة توجيه التعليم نحو ما يُعرف بالتعليم من أجل التنمية المستدامة، حيث لا يقتصر دور المدرسة على نقل المعرفة النظرية حول التغير المناخي، بل يتجاوز ذلك إلى بناء مهارات عملية لدى المتعلمين، مثل التفكير النقدي، واتخاذ القرار، وفهم أثر السلوك اليومي على البيئة. وفي هذا الإطار، تعمل اليونسكو أيضاً على تطوير ما يُعرف بـ “ المناهج الخضراء“، التي تدمج قضايا المناخ والاستدامة في مختلف المواد الدراسية بشكل منهجي، وليس كمحتوى إضافي فقط.
وبهذا المعنى، يصبح التحدي التربوي اليوم مزدوجاً: بناء جيل قادر على التعامل الواعي مع الفضاء الرقمي من جهة، وفهم القضايا البيئية والمناخية والتفاعل معها من جهة أخرى، ضمن رؤية تعتبر أن التعليم لم يعد مجرد نقل للمعرفة، بل أداة لصناعة وعي وسلوك ومسؤولية في عالم متغير.
غير ان هذا المسار لا يقتصر على المناهج والبرامج الرسمية فقط، بل يمتد أيضا الى الفنون والأنشطة الإبداعية، حيث يحاول بعض الفنانين في الجزائر لإعادة بناء العلاقة النفسية بين الطفل والعالم بعيدا عن صور الدمار والحروب والكوارث.
“المهرج الأخضر”.. الفن كبديل عن الخوف وصور الدمار
مقابل العزلة الرقمية التي تفرضها الشاشات، يبرز صوت الفنان والمهرج الثقافي “أمين موساوي”، ليؤكد ان الفن في العصر الراهن قد غادر منطقة الترفيه السطحي ليصبح ” أداة استراتيجية” للتربية وبناء الوعي، ويرى موساوي ان مواجهة التحولات الرقمية والبيئية المتسارعة تتطلب لغة إبداعية قادرة على ملامسة وجدان الطفل، وهو ما تجسد في مبادرته الرائدة ” المهرج الأخضر”.
ويشرح موساوي ان هذه المبادرة التي صممت لتكون ” قافلة ثقافية_ بيئية متنقلة”، لا تكتفي بتقديم العروض، بل تعتمد أسلوبا تفاعليا يكسر الجمود التقليدي، حيث يمتزج فيها فن التهريج والمسرح بالأنشطة الميدانية المباشرة ورشات الرسم، إعادة التدوير، والعاب تربوية بيئية. ويهدف من خلال هذا ” المهرج” الى تحويل الوعي البيئي من مجرد شعارات جافة الى تجربة حية، تُخرج الطفل من عالم الافتراض والقلق لتضعه أمام مسؤوليته تجاه الطبيعة بابتسامة وثقة، معيدا للفن دوره القيادي في تشكيل سلوكيات أجيال الغد.
وفي حديثه عن تأثير الفن، يشير موساوي الى ان الفنان يمتلك قدرة خاصة على الوصول الى الأطفال لأنه “يخاطب المشاعر قبل العقل”، موضحا ان الطفل يتفاعل مع القصة واللون والضحك والحركة أكثر من تفاعله مع النصوص والخطابات المباشرة، ويضيف ان عرض مهرج بسيط يمكن أحيانا ان يرسخ سلوكا إيجابيا لدى الطفل أكثر من درس نظري كامل، ” يتذكر التجربة وليس فقط المعلومة”.
ويشرح السيد موساوي ان دمج الفن بالبيئة من خلال تحويل القضايا البيئية، مثل التلوث وحماية الطبيعة الى قصص وشخصيات ومواقف تفاعلية، فالمهرج داخل العروض يمثل شخصية تحب الطبيعة وتواجه مشكلات بيئية محاول إيجاد حلول لها، بينما تسمح الورشات للأطفال بتطبيق الأفكار علميا بأيديهم، وهو ما يجعل الطفل يعيش الفكرة بدل الاكتفاء بسماعها. ويختم قائلا ان الفكرة الأساسية هي ” تحويل الطفل من متلق سلبي للأخبار والصور الصادمة الى فاعل إيجابي يسعر بان به دورا في حماية بيئته ومستقبله”.
وفي محاولة لتقديم مخرج عملي للأزمة، يرى الخبير الإعلامي والأستاذ في الاعلام، الدكتور اغولايش محمد ان يجب تزويد الطفل بـ حقيبة أدوات ذهنية وتقنية تجعل من الشاشة نافذة للفهم لا مجرد مرآة للصدمة. ويقترح في هذا السياق استغلال اداتين محوريتين وهي تقنية تقوم على العدسة البيئية المزدوجة تبدأ الأولى بتدريب الطفل على مهارة طرح الأسئلة الثلاثة عند مشاهدة أي خبر عن ازمة، حيث يُحفز الطفل للبحث عمن تأذى من الطبيعة في تلك الصورة، ومحاولة اكتشاف البطل الأخضر او الشخص الذي يحاول الإصلاح وسط الدمار، وصولا لما ستحتاجه الأرض لتتنفس مجددا فور انتهاء النزاع. فتعتمد على التكنولوجيا عبر تطبيقات الأصلي للمكان لا بصورته المنكوبة فقط.
“في احدى الورشات البيئية، زرع عبد الرحمان أشجار صغيرة مع الأرض للمرة الأولى، ربما لن توقف الحروب، لكنها اعادت اليه فكرة بسيطة كادت الشاشات ان تنتزعها: ان الأرض ما تزال قادرة على الحياة، ونحن من نحميها.”
ان المرافقة الإعلامية والتربية البيئية بهذا المفهوم تلعب دور المرشد في غابة المعلومات، وبذلك لا يتعلم الطفل كيف يقرأ الخبر فحسب، بل يتعلم كيف يُحب الأرض ويحافظ عليها.
عائشة ولد حبيب
صحفية متخصصة في قضايا البيئة والمناخ والصحة
يُنشر هذا التقرير ضمن مشروع ” جرين بانتر” بالتعاون مع مؤسسة ” تازب بانتر الألمانية