Skip to main content

الرمال المتحركة في السماء

           

لم تعد التغيرات البيئية التي يعيشها العالم اليوم مجرد ظواهر طبيعية عابرة، بل أصبحت نُذرا تحذر من خطر بيئي يهدد الإنسان والطبيعة على حد سواء، ومن أبرز هذه الظواهر الزوابع الرملية الناتجة عن التصحر.

في الجزائر كانت هذه الزوابع في الماضي محدودة زمنًا ومكانًا، غير أنها أصبحت اليوم أكثر تواترًا وشدة، تُغطي سماء المدن وتخنق الهواء بالغبار والرمال، هذه التحولات المناخية غير المسبوقة لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة مباشرة لتدخل الإنسان غير الرشيد في الطبيعة، سواء بإزالة الغطاء النباتي، أو بإهمال المناطق الهشة بيئيًا.

تطور الظاهرة في السنوات الأخيرة

في العقود الماضية، كانت الزوابع الرملية ظاهرة موسمية بسيطة تظهر مرتين في السنة، تدوم بين 24 و48 ساعة، لكن منذ سنة 2020، بدأت الجزائر، خاصة أقاليم مناطق التل مثل سيدي بلعباس وتيارت وتلمسان، تشهد تزايدًا واضحًا في عدد الزوابع الرملية التي قد تمتد من أسبوع إلى أسبوعين.

تشير بيانات الديوان الوطني للأرصاد الجوية الجزائرية إلى أن عدد الأيام التي شهدت رياحًا قوية محملة بالرمال ارتفع من 12 يومًا في السنة عام 2018 إلى أكثر من 46 يومًا في السنة عام 2024، أي بزيادة تقارب ٪280.

الأخطر من ذلك أن صور الأقمار الصناعية التي نشرتها وكالة "ناسا" سنة 2023 أظهرت أن كميات الرمال المحمولة في الجو من شمال إفريقيا نحو أوروبا ازدادت بنسبة 35٪ مقارنة بالعقد الماضي، ووصلت بالفعل إلى سواحل فرنسا

ماي  2023 - سيدي بلعباس

في شهر ماي من عام 2023، شهدت ولاية سيدي بلعباس الواقع في الناحية الغربية للجزائر من التل واحدة من أقوى الزوابع الرملية في تاريخها الحديث، عرفتها المنطقة في العاشر من ذات الشهر واستمرت أكثر من تسعة أيام متواصلة، غطّت خلالها السماء بسحابة برتقالية سميكة.

ووصل منخفض مدى الرؤية إلى أقل من 100 متر، واضطرّت المدارس إلى تعليق الدراسة في بعض البلديات مثل سفيزف ورأس الماء، فيما سجلت المؤسسة الاستشفائية الجامعية ارتفاعًا بنسبة 40.٪ في حالات ضيق التنفس، خصوصًا لدى الأطفال والمسنين.

قال أحد المزارعين المحليين في تصريح لجريدة الشروق اليومي:

"لم نعد نرى الشمس لعدة أيام، حتى القمح الذي زرعناه غمرته الرمال، لم تعد مجرد زوابع بل عواصف من الصحراء تزورنا كل فصل"

أما رئيس مصلحة البيئة بمديرية سيدي بلعباس فقد صرّح في حوار للإذاعة المحلية قائلاً:

" أصبحت الظاهرة مقلقة للغاية، ليست موجات رياح عادية، بل زوابع كثيفة ناجمة عن تدهور الغطاء النباتي في المناطق الجنوبية من الولاية، خاصة في الهضاب السفلى ودائرة رأس الماء، أكثر من 45٪ من الأراضي هناك فقدت غطائها الطبيعي من الحلفاء والأحراش خلال السنوات العشر الماضية "

وأضاف أن المديرية بالتعاون مع مصالح الفلاحة والبلديات وضعت خطة استعجالية تتضمن إعادة تشجير 800 هكتار من الأراضي المتدهورة ومنع الرعي العشوائي في المناطق الحساسة بيئيًا.

وأكد أن السبب الرئيس وراء تزايد هذه الزوابع هو الاستغلال المفرط للأراضي الزراعية من دون دراسات بيئية، تحولت مناطق رعوية إلى أراضٍ لزراعة القمح والشعير، وهو ما جعل التربة عارية وهشة أمام الرياح.


التحليل العلمي للظاهرة

تُظهر الدراسات أن العلاقة بين التصحر والزوابع الرملية علاقة طردية؛ فكلما فقدت الأرض غطاءها النباتي، ازدادت حركة الرمال ففي المناطق التي أُزيلت منها نباتات الحلفاء، تسجل محطات الأرصاد زيادة في سرعة الرياح الأرضية بنسبة 20٪ إلى 30٪، ما يجعلها قادرة على حمل كميات أكبر من الغبار والرمل.

كما أن ارتفاع درجة الحرارة وتراجع معدل الأمطار في غرب الجزائر، الذي انخفض من 380 ملم سنويًا في التسعينيات إلى أقل من 250 ملم خلال السنوات الأخيرة، ساهم في جفاف التربة وتفككها.

وأشارت منظمة الأغذية والزراعة (FAO) في تقريرها لسنة 2023 إلى أن الجزائر تفقد سنويًا ما يقارب 30 ألف هكتار من الأراضي الزراعية بسبب التصحر وتآكل التربة، وهو رقم يعكس حجم التحدي البيئي المطروح.

النتائج والآثار

امتدت آثار الزوابع الرملية لتشمل جوانب متعددة من الحياة اليومية و مؤشرات الاقتصاد:

- صحيًا: ارتفع عدد حالات ضيق التنفس والحساسية بنسبة 40٪ في مستشفى سيدي بلعباس خلال زوبعة ماي 2023 وحدها.

- فلاحيًا: تضررت المحاصيل في أكثر من 400 هكتار من الأراضي الزراعية، خاصة في المناطق المكشوفة.

- اقتصاديًا: سجلت خسائر معتبرة في قطاع النقل بسبب توقف الحركة في عدة طرق وطنية.

- بيئيًا: تراجع التنوع البيولوجي المحلي بعد اختفاء أجزاء واسعة من الغطاء النباتي الطبيعي.

وقال أحد الخبراء بجامعة سيدي بلعباس في تصريح صحفي:

"ما نشهده اليوم ليس مجرد تغير في الطقس، بل هو نتيجة تراكمية لسنوات من الإهمال البيئي، وإلا لما كانت الرمال لتصل إلى قلب المدن بهذا الشكل"

الحلول المقترحة والمبادرات

لمواجهة هذه الظاهرة، انطلقت منذ سنة 2024 عدة مبادرات محلية ووطنية، من أبرزها:

1- مشروع الحزام الأخضر حول سيدي بلعباس، الذي يهدف إلى غرس أكثر من 50 ألف شجرة حلفاء وصنوبر حلبي في المناطق المكشوفة.

2- منع مؤقت للرعي والزراعة في بعض البلديات الجنوبية لمدة 03 سنوات لإعادة إحياء التربة.

3- تعاون بين جامعة سيدي بلعباس ومديرية البيئة لإطلاق دراسات ميدانية حول خصائص التربة
والرياح.

4- حملات توعية لفائدة الفلاحين عبر الإذاعة المحلية حول مخاطر الزراعة العشوائية.

5- إدماج مادة التربية البيئية في المدارس الثانوية لزرع وعي بيئي مبكر لدى الجيل الجديد.

كما صرّحت وزيرة البيئة في زيارة ميدانية للمنطقة في نوفمبر 2024:

"ما يحدث في ولايات الغرب الجزائري هو جرس إنذار. علينا أن نعيد التوازن بين النشاط الفلاحي وحماية الأرض .البيئة ليست ترفًا، بل هي شرط للحياة"

قراءة في المستقبل


إذا استمرت الظاهرة بهذا النسق، يُتوقع أن تتضاعف مساحة الأراضي المتصحرة في غرب الجزائر خلال العقد القادم. ولهذا، فإن الرهان اليوم ليس فقط على الحلول التقنية، بل أيضًا على تغيير الذهنيات وإشراك المواطنين في حماية محيطهم.

فمكافحة التصحر ليست مسؤولية الحكومات لوحدها، بل مسؤولية جماعية تتطلب وعيًا وتعاونًا من الجميع، من المزارع الصغير إلى صانع القرار.

لقد كشفت الزوابع الرملية في منطقت سيدي بلعباس أن البيئة تُعاقبنا حين نهملها، وما كان في الماضي مجرد نسيم مغبرّ أصبح اليوم زوبعة خانقة تمتد لأيام، وتغزو البيوت والطرقات والمزارع، إنّ عودة الحلفاء والأحراش إلى أراضي الولاية ليست مجرد مشروع بيئي، بل هي عودة للحياة نفسها.

ولا شك أن إنقاذ الأرض يبدأ بخطوة صغيرة: شجرة تُزرع، تصريح يُراجع، أو وعي يُبنى، فالبيئة لا تتحدث... لكنها تُذكّرنا في كل زوبعة بما فعلناه بها.

حورية جيلي  /  صحفية مستقلة

 قائمة المراجع والمصادر

وزارة الفلاحة والتنمية الريفية. (2023). خطة العمل الوطنية لمكافحة التصحر. الجزائر.

الديوان الوطني للأرصاد الجوية الجزائرية. (2024). تقرير حول تزايد الأيام المغبرة في شمال وغرب البلاد.

جريدة الشروق اليومي، عدد ماي 2023: "زوابع رملية غير مسبوقة تشلّ الحياة في سيدي بلعباس."

وكالة "ناسا" (2023). صور الأقمار الصناعية لتوزّع الغبار شمال إفريقيا.

 جريدة الخبر، عدد جوان 2024: "الحلفاء تختفي...والرمال تزحف نحو المدن."

إذاعة سيدي بلعباس المحلية. (2024). تصريح رئيس مصلحة البيئة ومدير الحماية المدنية حول الزوبعة الرملية.

 منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) (2023). تقرير حول التصحر في شمال إفريقيا.

شهادات وملاحظات ميدانية من سكان ولايتي سيدي بلعباس وتيارت (2025-2021).