Skip to main content

الدودة الجرارة: تهديد بيئي صامت يحاصر غابات الجزائر

 


تواجه الجزائر في السنوات الأخيرة تحديًا بيئيًا متفاقمًا مع الانتشار الواسع لآفة الدودة الجرارة أو دودة الصنوبر الزاحفة  (Thaumetopoea pityocampa)، وهي من أكثر الحشرات خطورة على الغابات الصنوبرية في حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث تغزو هذه الحشرة أشجار الصنوبر الحلبي، وتتغذى على أوراقها محدثة أضرارًا بيئية بالغة تُضعف الغطاء الغابي وتهدد التوازن الإيكولوجي.

 

 تُعد ولاية سيدي بلعباس مثالًا حيًا على حجم الخسائر التي سببتها هذه الحشرة، حيث تشير بيانات مديرية الغابات إلى أن أكثر من 2000 هكتار من الغابات أصيبت خلال عام 2025، خاصة في مناطق تسالة وتلموني وتنيرة وبن باديس.

 

ويعود تفشي الظاهرة إلى عوامل مناخية أبرزها الجفاف وارتفاع درجات الحرارة الناتج عن تغير المناخ، وهو ما زاد من هشاشة الغابات أمام الآفات الحشرية والحرائق.

 

 

الهوية البيولوجية والدورة الحياتية :

  

تنتمي الدودة الجرارة إلى حرشفيات الأجنحة  (Lepidoptera)، وتتميز بدورة حياة سنوية تمر بخمس مراحل أساسية:

 

•البيض يوضع على إبر الصنوبر في الصيف.

 

•اليرقات تظهر في الخريف وتبني أعشاشًا حريرية على الأغصان.

 

•الزحف الجماعي يحدث في نهاية الشتاء، حين تتحرك اليرقات في مواكب أرضية بحثًا عن تربة للتحول إلى شرانق.

 

•الفراشات البالغة تخرج صيفًا لتتكاثر ثم تموت سريعًا بعد وضع البيوض. وتُعد الشعيرات الدقيقة التي تغطي جسم اليرقة من أخطر عناصرها، إذ تحتوي على مادة سامة تسبب تحسس الجلد والعين والجهاز التنفسي للإنسان والحيوان، كما تؤثر على الإنتاج الغابي بشكل مباشر. (المصدر: Hacharate-dz.info، Eldjazaironline.dz)

 

 

الوضع البيئي في سيدي بلعباس :

 

 تضم ولاية سيدي بلعباس نحو 14,200 هكتار من الغابات أغلبها من الصنوبر الحلبي، لكن التغيرات المناخية المتسارعة، وما رافقها من جفاف متكرر وحرائق موسمية، أدت إلى مضاعفة الأضرار.

 

ووفق تقارير المديرية العامة للغابات (2025)، تسببت الدودة الجرارة في فقدان أكثر من 60% من أوراق الأشجار المصابة خلال موسم واحد، ما جعلها أكثر هشاشة وقابلة للاحتراق.

 

وقد ساهم ارتفاع متوسط الحرارة في الجزائر بمقدار يتجاوز 1.5 درجة مئوية (تقرير موقع Assafir Arabi 2022) في تمدد مناطق الجفاف شمالاً بمعدل 100 كيلومتر، مما وفّر بيئة مثالية لتكاثر الآفة في غابات شمال غرب البلاد.

 

 

التأثيرات البيئية والاقتصادية بيئيًا:

 

فقدان الغطاء النباتي أدى إلى اختلال الدورة المائية، وتآكل التربة، وتراجع التنوع البيولوجي الغابي خصوصًا في الطيور الحشرية التي كانت تشكّل أعداء طبيعية للدودة. (المصدر: مجلة Environmental Change in Algeria, 2023 )

 

  1. اقتصاديًا: خلّفت الدودة خسائر مباشرة في الإنتاج الخشبي والمنتجات الثانوية، وقدّرت وزارة الفلاحة هذه الأضرار بملايين الدنانير سنويًا نتيجة تكاليف الرش والمراقبة والصيانة. كما تراجعت وظائف الغابات في الترفيه والسياحة الإيكولوجية.
  2. صحيًا: سجّلت مصالح الصحة المحلية حالات التهاب جلدي وحساسية تنفسية بين عمّال الغابات والمزارعين نتيجة ملامسة الشعيرات المتطايرة من اليرقات، وذلك استنادًا لتحذيرات المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك - 2024.



أسباب تفاقم الظاهرة:

 

  1. التغير المناخي: ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض التساقطات السنوية إلى أقل من 300 ملم في بعض مناطق سيدي بلعباس.
  2. الحرائق المتكررة: التي دمّرت ما يزيد عن 05% من الغطاء الغابي خلال السنوات الخمس الأخيرة.
  3. نقص الكوادر التقنية والبحث العلمي: ما قلّل من فعالية الكشف المبكر والمكافحة الميدانية.
  4. تراجع التنوع النباتي: بسبب الاعتماد المفرط على غراسة الصنوبر الحلبي الأحادي النوع، وهو بيئة مثالية لتكاثر الدودة.


هذه الأسباب مترافقة مع ضعف الإمكانيات المادية، قد جعلت عملية إعادة توازن النظم الغابية أكثر تعقيدًا (المصدر attaqa.net، 2024؛ Internews.dz 2023 ).

 


 استراتيجيات المكافحة الوطنية اعتمدت الجزائر برامج متوازنة بين المكافحة البيولوجية والميكانيكية:

 

  1. الطريقة اليدوية: عبر جمع الأعشاش الحريرية وحرقها قبل خروج اليرقات.
  2. المكافحة البيولوجية: باستعمال بكتيريا Bacillus thuringiensis var. kurstaki (Btk) التي تهاجم الجهاز الهضمي لليرقات دون أن تضر بمكونات البيئة.
  3. الرش الجوي: بالتعاون مع شركة طاسيلي للطيران، لمعالجة آلاف الهكتارات من غابات الصنوبر في ولايات سيدي بلعباس والمسيلة وتيارت منذ عام 2025.المراقبة الفيرمونية: لرصد نشاط الفراشات البالغة وتحديد دورات الإصابة.
  4. تعزيز الأعداء البيولوجيين: بزيادة أعداد الطيور المفيدة كالوقواق والخفافيش. هذه الإجراءات تندرج ضمن البرنامج الوطني 2025–2030 لمكافحة الآفات الغابية واستعادة النظم البيئية للغابات. (المصدر: المديرية العامة للغابات، 2025).

 

 

التوصيات المستقبلية :


  1. تحسين المراقبة الجوية عبر الأقمار الصناعية لرصد التغيرات في الغطاء الغابي باستخدام أدوات مثل  Google Earth Engine  
  2. تنويع الغطاء الشجري بزراعة أنواع مقاومة أو أقل جاذبية للدودة مثل السنديان والعرعار.
  3. دعم البحث العلمي الجامعي في مجالات المكافحة البيولوجية والاستشعار عن بعد.
  4. تعزيز وعي السكان المحليين بالممارسات الوقائية من خلال إشراك المجتمع المدني والمدارس البيئية.
  5. استعمال الطاقة المتجددة في استصلاح الغابات المهددة بالجفاف ضمن إطار التنمية المستدامة.

 

إن انتشار الدودة الجرارة في الغابات الجزائرية، وخاصة في ولاية سيدي بلعباس، هو مؤشر خطير على تدهور النظم البيئية نتيجة تغير المناخ وضعف إدارة الموارد الغابية، وتظهر التجربة الجزائرية أن المعالجة السريعة والمتكاملة التي تجمع بين التقنيات البيولوجية والرقابة البيئية والبحث العلمي هي السبيل الأمثل لحماية الغابات من الانهيار وضمان استدامتها للأجيال القادمة.

 

 

محتوقي حسام الدين / منشئ محتوى مستقل